علي بن أحمد المهائمي
100
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
والاتحاد ، وأنّ وجود الموجودات متوقف على وجوده تعالى ، وظهوره فيها توقف أحكام الموجودات العينية على تلك الحقائق الكلية ، فقال : ( كما أنه لولا تلك الحقائق المعقولة ) كالحياة والعلم ( ما ظهر حكم في الموجودات العينية ) لامتناع الحكم على شيء بأنه حي عالم بدون تصور الحياة والعلم . [ ومن هذه الحقيقة كان الافتقار من العالم إلى الحقّ في وجوده . فالكلّ مفتقر ما الكلّ مستغن * هذا هو الحقّ قد قلناه لا نكني فإن ذكرت غنيّا لا افتقار به * فقد علمت الذي من قولنا نعني فالكلّ في الكلّ مربوط وليس له * عنه انفصال خذوا ما قلته عنّي فقد علمت حكمة نشأة جسد آدم أعني صورته الظاهرة ، وقد علمت نشأة روح أدم أعني صورته الباطنة ، فهو الحقّ الخلق ، وقد علمت نشأة رتبته ، وهي المجموع الّذي به استحقّ الخلافة ، فآدم هو النّفس الواحدة الّتي خلق منها هذا النّوع الإنساني ، وهو قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [ النساء : 1 ] ، فقوله : « اتّقوا ربّكم » اجعلوا ما ظهر منكم وقاية لربّكم ، واجعلوا ما بطن منكم وهو ربّكم وقاية لكم ؛ فإنّ الأمر ذمّ وحمد فكونوا وقايته في الذمّ ، واجعلوه وقايتكم في الحمد تكونوا أدباء عالمين ، ثمّ إنّه تعالى أطلعه على ما أودع فيه وجعل ذلك في قبضتيه : القبضة الواحدة فيها العالم ، وفي القبضة الأخرى آدم وبنوه وبيّن مراتبهم فيه ] . فقال : ( ومن هذه الحقيقة ) « 1 » ، أي : سريان إشراق نور الحق في الموجودات بالصورة لتحقق بالوجود مع إمكانها ، ( كان الافتقار من العالم إلى الحق في وجوده ) سواء فرض قديما بالزمان أو حادثا ، فالعالم بهذا الافتقار لا يتحد بالحق لغناه في ذلك ، وإن افتقر في الظهور بالمظاهر إليه لكنه مستغن عن ذلك الظهور إذ لا كمال له فيه بخلاف العالم ، فإن افتقاره إلى الحق في تحصيل الكمال له ، وبقوله : « في وجوده » قد أشار إلى افتقار الحق إليه في الظهور لكنه لم يصرح به الآن ؛ لأنه كالافتقار من حيث استغناؤه عن ذلك الظهور ،
--> ( 1 ) أي حقيقة لو لم تكن لم يكن كان الافتقار من العالم إلى الحق تعالى في وجوده : أي لو لم يكن الوجود ساريا في العالم ما كان العالم وإذا ارتفع المدد ، ينعدم العالم ويرجع إلى أصله ، فالعالم محتاج إلى الوجود دائما أبدا والوجود لا تظهر أحكامه إلا في العالم ، كما أن الرعيّة تحتاج إلى السلطان ، والسلطان ما يظهر سلطانه إلا على الرعيّة فلا يكون السلطان إلا بالرعيّة . فإنّ الرب بلا مربوب لم يعقل ، كما أن المربوب بلا رب لم يكن ، وقد أعطي حكم التضايف ذلك ؛ فافهم .